مصطفى صادق الرافعي

114

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

روح كل أمة قد فرعت الأمم ، واستولت على الأمد التاريخي ، ونالت ما لا ينال إلا مع بسطة في العلم ، وزيادة في المعرفة بوجوه العمل ، وفضل من القوة ، ومع كمال المنزلة في كل ذلك وأشباهه من مقومات الأمة . فذلك ما علمت . وإن هاهنا وجها آخر هو أعجب مما أومأنا إليه ، على أنه ضريبه في الحكمة وقسيمه في الاعتبار ؛ إذ هو متعلق بطبيعة الأرض ، كما أن ذلك متعلق بطبيعة أهلها ، فإن من الثابت البيّن أن لهيئة الطبيعة جهة من التأثير في تهيئة الأخلاق ؛ فترى في الجهات المقفرة أو المخفوفة أو التي يلقي منظرها في نفسك الرهبة دون المحبة ، والفزع دون الاطمئنان - أقواما كأنما نشئوا في المعابد ، وولدوا في الصوامع ؛ فليس في أخلاقهم إلا الاستسلام للوهم والتخيل ، وإلا الخوف من كل شيء تكون فيه روح الطبيعة ، كما زعم العرب من البيات مع الغيلان ، وتزوج السّعالى ، ومجاوبة الهواتف ، والروغان عن الجنّ إلى الجنّ ، واصطياد الشق ، ومحاربة النسناس ، وصحبة الرئي ، وما كان لهم من خدع الكاهن ، وتدليس العرّاف ، ومن العيافة والتنجيم والزّجر والطرق بالحصى « 1 » وغيرها من خرافاتهم المعروفة ، ثم الخوف من كل شيء تعرف فيه روح الطبيعة ، كالأوثان وسائر ما قدسته العادات والشعائر ، وإن كانوا في غير ذلك أهل جلد ونجدة ومضاء وبديهة وعارضة ، لأن هذه الصفات وأمثالها تكتسب من طبيعة الخيال حدة وشدة « 2 » وأنت واجد عكس ذلك فيمن تكون طبيعة أرضهم ساكنة مطمئنة لا تجتاح أهلها ولا ترميهم بالفزع فإنهم لا يقرّون على خوف وتوثّب ، ولا يكون في أخلاقهم الجنوح إلى عبادة ما يخيفهم أو تقديس ما اتصلت به روح الطبيعة ، ثم لا يكونون إلا أهل عمل بالحواس دون التخيل ، قد غبر أحدهم دهره عاملا فليس يبالي إلا الحاضر الذي تتعلق به روح العمل ، دون الماضي الذي يجتمع عليه حرص أولئك لأنه غيب الطبيعة التي يقدسونها ، فكان من أخلاق العرب ما هو مشهور عنهم : من التفاخر بالآباء

--> ( 1 ) للعرب مذاهب كثيرة مثل ما وصفنا ، ولا محل لبسط القول فيه ولكنا نقتصر على تعريف ما أتينا به تعريفا لفظيا . فالغيلان : إناث الجن . والسعالى : جمع سعلاة ، وهي سحرة الجن . ويقال إن الغيلان من السعالى . والهواتف : جمع هاتف وهي الجن تهتف بهم وتنذرهم ، والحنّ نوع من الجن . والشق : جنس من أجناسهم ، والنسناس : جنس من الخلق يعد فيهم . والرئي : جني يكون لبعض الناس فيخبره بالغيب ، والكاهن من يتنبأ لهم بما سيقع . والعراف : من يستدل بالأسباب والحوادث ويتنبأ من ذلك . والعيافة : التكهن بالطير أو غيرها . والزجر : أن يزجر الطير ليتسعد أو يتشأم إذا أراد أن يهم بأمر . والطرق بالحصى : وسيلة من وسائل التكهن . وفي كل ذلك شرح طويل واختلاف كثير . ( 2 ) في العادة أن خرافات أمة من الأمم هي مادة الخيال في أهلها ، وكأنها تزيغ بهم عن أساليب الحقيقة فيغلب الخيال بها على العقل ، وهذا من السر في أن القرآن لم يكبر أمر الشعر ولا دعا إليه إلا في حقه وخالصته الاجتماعية .